الشيخ محمد رضا مهدوي كني
11
البداية في الأخلاق العملية
بامكانه تقديم تعريف منطقي للفضيلة والكرامة من وجهة النظر العلمية ، وبالعكس أيضا ، قد يكون بمقدور شخص ما معرفة الاصطلاحات العلمية على الوجه الصحيح ، دون ان يتّسم بشيء من الفضيلة والورع . ويقول الإمام علي عليه السّلام : ربّ عالم قد قتله جهله وعلمه معه لا ينفعه « 1 » . فهذا الجهل هو ذلك الفقر الأخلاقي والانساني الذي يدمّر العالم . ومن هنا تعد الأخلاق محكّ الفضيلة والرذيلة معا . فالعدل انما يبحث في علم الاخلاق لأنه قيمة لا لأنه واجب أو تكليف . اي انّ علم الأخلاق ينظر إلى العدل كفضيلة وكرامة ، في حين يهتم به علم الفقه والحقوق كواجب حقوقي واجتماعي . ويعد قبول العدل من وجهة نظر الاخلاق نوعا من الانتخاب ، فيما يعدّ نوعا من الالزام على صعيد علم الحقوق . ومن البديهي ان التزام الفرد بالعدل خوفا من العقاب ، يعني نهوضه بواجبه القانوني ، ولا يعني انه قدم عملا مفيدا ومؤثرا من الناحية الأخلاقية ، لأنّ انتخاب العدل لا يعدّ قيّما إلّا إذا اقترن بدافع طلب الفضيلة . فالإطاعة عادة ما تكون مقترنة بالخوف والرجاء واستخدام القوة ، على العكس من الاختيار الذي يقترن بالميل والرغبة ، والحب والايثار . وقد اطلق أمير المؤمنين علي عليه السّلام على العبادة القائمة على الحب اسم عبادة الأحرار ، فيما اطلق على العبادة التي تندفع عن الخوف والرجاء اسم عبادة التجار وعبادة العبيد . فالفضائل الخلقية لها أساس فطري . فما أكثر أولئك الذين لا يستطيعون تحمل الالزام والتكليف والواجب ، ولكن قلما نجد من بامكانه ان يحيا في الدنيا بدون اخلاق أو التزام خلقي . وحتى أولئك الذين ينكرون الاخلاق في ظاهر الأمر ، نراهم يدافعون عن حريتهم وكرامتهم بشدة ، ويمتعضون من الاعتداء عليهما . وهم وان كانوا غير أوفياء للعهود والمواثيق التي يبرمونها مع الآخرين ، إلّا انهم يتوقعون من الآخرين الايفاء بعهودهم ومواثيقهم . فهؤلاء ورغم رفضهم
--> ( 1 ) نهج البلاغة ، فيض الاسلام ، الحكمة 104 .